فخر الدين الرازي

217

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

رَحِيمٍ [ يس : 58 ] قال الواحدي : وعلى هذا التقدير يكون هذا من إضافة المصدر إلى المفعول ، وعندي فيه وجه آخر : وهو أن مواظبتهم على ذكر هذه الكلمة ، مشعرة بأنهم كانوا في الدنيا في منزل الآفات وفي معرض المخافات ، فإذا أخرجوا من الدنيا ووصلوا إلى كرامة اللَّه تعالى ، فقد صاروا سالمين / من الآفات ، آمنين من المخافات والنقصانات وقد أخبر اللَّه تعالى عنهم بأنهم يذكرون هذا المعنى في قوله : وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ [ فاطر : 34 ، 35 ] . المرتبة الرابعة : من مراتب سعاداتهم قوله سبحانه وتعالى : وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وفيه مسائل : المسألة الأولى : قد ذكرنا أن جماعة من المفسرين حملوا هذه الكلمات العالية المقدسة على أحوال أهل الجنة بسبب الأكل والشرب فقالوا : إن أهل الجنة إذا اشتهوا شيئا قالوا : سبحانك اللهم وبحمدك ، وإذا أكلوا وفرغوا قالوا : الحمد للَّه رب العالمين ، وهذا القائل ما ترقى نظره في دنياه وأخراه عن المأكول والمشروب ، وحقيق لمثل هذا الإنسان أن يعد في زمرة البهائم . وأما المحقون المحققون ، فقد تركوا ذلك ، ولهم فيه أقوال . روى الحسن البصري عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « إن أهل الجنة يلهمون الحمد والتسبيح كما تلهمون أنفاسكم » وقال الزجاج : أعلم اللَّه تعالى أن أهل الجنة يفتتحون بتعظيم اللَّه تعالى وتنزيهه ويختتمون بشكره والثناء عليه ، وأقول : عندي في هذا الباب وجوه أخر : فأحدها : أن أهل الجنة لما استسعدوا بذكر سبحانك اللهم وبحمدك ، وعاينوا ما هم فيه من السلامة عن الآفات والمخافات ، علموا أن كل هذه الأحوال السنية والمقامات القدسية ، إنما تيسرت بإحسان الحق سبحانه وإفضاله وإنعامه ، فلا جرم اشتغلوا بالحمد والثناء فقالوا : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وإنما وقع الختم على هذا الكلام لأن اشتغالهم بتسبيح اللَّه تعالى وتمجيده من أعظم نعم اللَّه تعالى عليهم والاشتغال بشكر النعمة متأخر عن رؤية تلك النعمة ، فلهذا السبب وقع الختم على هذه الكلمة ، وثانيها : أن لكل إنسان بحسب قوته معراجا ، فتارة ينزل عن ذلك المعراج ، وتارة يصعد إليه ومعراج العارفين الصادقين ، معرفة اللَّه تعالى وتسبيح اللَّه وتحميد اللَّه ، فإذا قالوا : سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ فهم في عين المعراج ، وإذا نزلوا منه إلى عالم المخلوقات كان الحاصل عند ذلك النزول إفاضة الخير على جميع المحتاجين وإليه الإشارة بقوله : وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ ثم إنه مرة أخرى يصعد إلى معراجه ، وعند الصعود يقول : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فهذه الكلمات العالية إشارة إلى اختلاف أحوال العبد بسبب النزول والعروج . وثالثها : أن نقول : إن قولنا اللَّه اسم لذات الحق سبحانه ، فتارة ينظر العبد إلى صفات الجلال ، وهي المشار إليها بقوله : سُبْحانَكَ ثم يحاول الترقي منها إلى حضرة جلال الذات ، ترقيا يليق بالطاقة البشرية ، وهي المشار إليها بقوله : اللَّهُمَّ فإذا عرج عن ذلك المكان واخترق في أوائل تلك الأنوار رجع إلى عالم الإكرام ، وهو / المشار إليه بقوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فهذه كلمات خطرت بالبال ودارت في الخيال ، فإن حقت فالتوفيق من اللَّه تعالى ، وإن لم يكن كذلك فالتكلان على رحمة اللَّه تعالى . المسألة الثانية : قال الواحدي : ( أن ) في قوله : أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ هي المخففة من الشديدة ، فلذلك لم تعمل لخروجها بالتخفيف عن شبه الفعل كقوله :